أنباء الأذكياء بحياة الأنبياء

0

 بسم الله الرحمن الرحيم

أنباء الأذكياء بحياة الأنبياء

إعداد: سيد محمد جلال الدين الأزهري

استاذ قسم الدراسات الإسلامية, جامعة سادارن, شيتاغونغ. بنغلاديش

خطيب, جامع مسافر خانه, شيتاغونغ, بنغلاديش.

=====

 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى . وقع السؤال : قد اشتهر أن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره وورد أنه صلى الله عليه وسلم قالعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ. ([1])   

فظاهره مفارقة الروح [ له ] في بعض الأوقات فكيف الجمع ؟ وهو سؤال حسن يحتاج إلى النظر والتأمل

فأقول : حياة النبي صلى الله عليه وسلم في قبره هو وسائر الأنبياء معلومة عندنا علما قطعيا لما قام عندنا من الأدلة في ذلك وتواترت [به] الأخبار، وقد ألف البيهقي جزءا في حياة الأنبياء في قبورهم ، فمن الأخبار الدالة على ذلك:

ما أخرجه مسلم عن أنس  عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أَتَيْتُ – وفي رواية : مررت – عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ. ([2])  

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر موسى عليه السلام وهو قائم يصلي فيه. ([3])  

وأخرج أبو يعلى في مسنده ، والبيهقي في كتاب حياة الأنبياء عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون. ([4]) 

وأخرج أبو نعيم في الحلية قَالَ : يُوسُفُ بْنُ عَطِيَّةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ ثَابِتًا، يَقُولُ لِحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ : ” هَلْ بَلَغَكَ يَا أَبَا عُبَيْدٍ– أَنَّ أَحَدًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ إِلا الأَنْبِيَاءَ؟ ” قَالَ : لا. ([5])  

وأخرج أبو داود والبيهقي عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ ، فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ ، فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللهِ ، كَيْفَ تُعْرَضُ صَلاَتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ ؟ – يَعْنِى بَلِيتَ – فَقَالَ : إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ. ([6])  

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان ، والأصبهاني في الترغيب عَنِ الأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ” مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا مِنْهُ أُبْلِغْتُهُ ” ([7])  

وأخرج البخاري في تاريخه عن عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ , يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : “إِنَّ اللَّهَ أَعْطَانِي مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةَ يَقُومُ عَلَى قَبْرِي إِذَا أَنَا مِتُّ فَلَا يُصَلِّي عَبْدٌ عَلَيَّ صَلَاةً إِلَّا قَالَ : يَا مُحَمَّدُ , فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ يُصَلِّي عَلَيْكَ يُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ ، فَيُصَلِّي اللَّهُ مَكَانَهَا عَشْرًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” ([8])

وأخرج البيهقي في حياة الأنبياء، والأصبهاني في الترغيب عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن أقربكم مني يوم القيامة في كل موطن أكثركم عليَّ صلاة في الدنيا ، من صلى عليَّ في يوم الجمعة وليلة الجمعة مائة مرة قضى الله له مائة حاجة، سبعين من حوائج الآخرة ، وثلاثين من حوائج الدنيا ، ثم يوكل الله بذلك ملكا يدخله في قبري كما يدخل عليكم الهدايا ، يخبرني من صلى علي باسمه ونسبه إلى عشيرته ، فأثبته عندي في صحيفة بيضاء. ([9])   

ولفظ البيهقي يخبرني من صلى علي باسمه ونسبه ، فأثبته عندي في صحيفة بيضاء. ([10])  

وأخرج البيهقي  عَنْ ثَابِتٍ , عَنْ أَنَسٍ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ” إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لا يُتْرَكُونَ فِي قُبُورِهِمْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً , وَلَكِنَّهُمْ يُصَلُّونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ([11])

فَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , فِي الْجَامِعِ ، قَالَ : قَالَ شَيْخٌ لَنَا , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، قَالَ : ” مَا مَكَثَ نَبِيُّ فِي قَبْرِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى يُرْفَعَ. ([12])  

قال البيهقي فَعَلَى هَذَا يَصِيرُونَ كَسَائِرِ الأَحْيَاءِ , يَكُونُونَ حَيْثُ يُنْزِلُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثم قال البيهقي  وَلِحَيَاةِ الأَنْبِيَاءِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ شَوَاهِدُ مِنَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْهَا .، فذكر قصة الإسراء في لقيه جماعة من الأنبياء وكلمهم وكلموه. ([13])  

وأخرج حديث أبي هريرة في الإسراء وفيه: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (… وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّى فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَائِمٌ يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَائِمٌ يُصَلِّى أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ – يَعْنِي : نَفْسَهُ – فَحَانَتِ الصَّلاَةُ فَأَمَمْتُهُمْ . ([14])  

وأخرج حديث : ”  عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ . ” ([15])

وقال : هذا إنما يصح على أن الله رد على الأنبياء أرواحهم وهم أحياء عند ربهم كالشهداء ، فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا فيمن صعق ثم لا يكون ذلك موتا في جميع معانيه إلا في ذهاب الاستشعار ، انتهى .

وأخرج أبو يعلى عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَنْزِلَنَّ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ثُمَّ لَئِنْ قَامَ عَلَى قَبْرِي فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ! لأُجِيبَنَّهُ  ([16])  . 

وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن  سَعِيد بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ لقد رأيتني ليالي الْحَرَّة وما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدٌ غيري ، ما يأتي وقت صلاةٍ إلا سمعت الآذان مِن القبْر. ([17])

وأخرج زبير بن بكار في “أخبار المدينة” عن سعيد بن المسيب، قال: لم أزل أسمع الأذان والإقامة من قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الحرة حتى عاد الناس. ([18])  

وأخرج ابن سعد في الطبقات عن سعيد بن المسيب أنه كان يلازم المسجد أيام الحرة والناس يقتتلون قال : فَكُنْتُ إِذَا حَانَتِ الصَّلاَةُ أَسْمَعُ أَذَاناً يَخْرُجُ مِنَ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ“.  ([19]) 

وأخرج الدارمي في مسنده: عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: ” لَمَّا كَانَ أَيَّامُ الْحَرَّةِ لَمْ يُؤَذَّنْ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ثَلَاثًا، وَلَمْ يُقَمْ وَلَمْ يَبْرَحْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ لَا يَعْرِفُ وَقْتَ الصَّلَاةِ إِلَّا بِهَمْهَمَةٍ يَسْمَعُهَا مِنْ قَبْرِ النَّبِيِّ “، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ . ([20])

معناه ، فهذه الأخبار دالة على حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء ، وقد قال تعالى في الشهداء : وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (آل عمران. الاية 169) والأنبياء أولى بذلك ، فهم أجل وأعظم ، وما نبي إلا وقد جمع مع النبوة وصف الشهادة ، فيدخلون في عموم لفظ الآية

وأخرج أحمد ، وأبو يعلى ، والطبراني ، والحاكم في المستدرك ، والبيهقي في دلائل النبوة عن ابن مسعود قال : لأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ تِسْعًا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُتِلَ قَتْلا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ وَاحِدَةً، وَذَلِك بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اتَّخَذَهُ نَبِيًّا ، وَجَعَلَهُ شَهِيدًا . ([21])

وأخرج البخاري ، والبيهقي:  قَالَ عُرْوَةُ : كَانَتْ عَائِشَةُ ، تَقُولُ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ : ” يَا عَائِشَةُ ، لَمْ أَزَلْ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ ، فَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ([22]) فثبت كونه صلى الله عليه وسلم حيا في قبره بنص القرآن ، إما من عموم اللفظ ، وإما من مفهوم الموافقة.

قال البيهقي في كتاب الاعتقاد : الأنبياء بعدما قبضوا ردت إليهم أرواحهم فهم أحياء عند ربهم كالشهداء ،  وقال القرطبي في التذكرة في حديث الصعقة نقلا عن شيخه : الموت ليس بعدم محض ، وإنما هو انتقال من حال إلى حال. ([23])  

ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء يرزقون فرحين مستبشرين وهذه صفة الأحياء في الدنيا ، وإذا كان هذا في الشهداء فالأنبياء أحق بذلك وأولى.

وقد صح أن إن الله عز وجل قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم السلام ([24])  

وأنه صلى الله عليه وسلم اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس وفي السماء، ورأى موسى قائما يصلي في قبره وأخبر صلى الله عليه وسلم بأنه يرد السلام على كل من يسلم عليه ، إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء ، وذلك كالحال في الملائكة فإنهم موجودون أحياء ولا يراهم أحد من نوعنا إلا من خصه الله بكرامته من أوليائه ، انتهى ،

وسئل البارزي عن النبي صلى الله عليه وسلم هل هو حي بعد وفاته ؟ فأجاب : إنه صلى الله عليه وسلم حي.

قال الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي الفقيه الأصولي شيخ الشافعية في أجوبة مسائل “الجاجر ميين” قال : المتكلمون المحققون من أصحابنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم حي بعد وفاته ، وأنه يسر بطاعات أمته ويحزن بمعاصي العصاة منهم ، وأنه تبلغه صلاة من يصلي عليه من أمته ، وقال : إن الأنبياء لا يبلون ولا تأكل الأرض منهم شيئا ، وقد مات موسى في زمانه وأخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أنه رآه في قبره مصليا ، وذكر في حديث المعراج أنه رآه في السماء الرابعة وأنه رأى آدم في السماء الدنيا ، ورأى إبراهيم وقال له : مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ، وإذا صح لنا هذا الأصل قلنا : نبينا صلى الله عليه وسلم قد صار حيا بعد وفاته وهو على نبوته ، هذا آخر كلام الأستاذ

وقال الحافظ شيخ السنة أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد : الأنبياء عليهم السلام بعدما قبضوا ردت إليهم أرواحهم فهم أحياء عند ربهم كالشهداء ، وقد رأى نبينا صلى الله عليه وسلم جماعة منهم وأمهم في الصلاة وأخبر – وخبره صدق – أن صلاتنا معروضة عليه ، وأن سلامنا يبلغه ، وأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ، قال : وقد أفردنا لإثبات حياتهم كتابا قال : وهو بعد ما قبض نبي الله ورسوله وصفيه وخيرته من خلقه صلى الله عليه وسلم ، اللهم أحينا على سننه وأمتنا على ملته واجمع بيننا وبينه في الدنيا والآخرة ، إنك على كل شيء قدير ، انتهى جواب البارزي 

وقال الشيخ عفيف الدين اليافعي : الأولياء ترد عليهم أحوال يشاهدون فيها ملكوت السماوات والأرض وينظرون الأنبياء أحياء غير أموات كما نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى موسى عليه السلام في قبره ، قال : وقد تقرر أن ما جاز للأنبياء معجزة جاز للأولياء كرامة بشرط عدم التحدي ، قال : ولا ينكر ذلك إلا جاهل ، ونصوص العلماء في حياة الأنبياء كثيرة فلنكتف بهذا القدر([25])  . 

فصل :

وأما الحديث الآخر فأخرجه أحمد في مسنده ، وأبو داود في سننه ، والبيهقي في شعب الإيمان من طريق أبي عبد الرحمن المقري عن حيوة بن شريح عن أبي صخر عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام([26]) 

ولا شك أن ظاهر هذا الحديث مفارقة الروح لبدنه الشريف في بعض الأوقات وهو مخالف للأحاديث السابقة، وقد تأملته ففتح علي في الجواب عنه بأوجه : الأول – وهو أضعفها – أن يدعي أن الراوي وهم في لفظة من الحديث حصل بسببها الإشكال ، وقد ادعى ذلك العلماء في أحاديث كثيرة ولكن الأصل خلاف ذلك فلا يعول على هذه الدعوى

الثاني : وهو أقواها ولا يدركه إلا ذو باع في العربية أن قوله : ” رد الله ” جملة حالية ، وقاعدة العربية أن جملة الحال إذا وقعت فعلا ماضيا قدرت فيها قد كقوله تعالى : ( أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ (سورة النساء-90 والآية بكاملها: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا ) أي : قد حصرت ، وكذا تقدر هنا والجملة ماضية سابقة على السلام الواقع من كل أحد وحتى ليست للتعليل ، بل مجرد حرف عطف بمعنى الواو ، فصار تقدير الحديث : ما من أحد يسلم علي إلا قد رد الله علي روحي قبل ذلك فأرد عليه ، وإنما جاء الإشكال من ظن أن جملة رد الله علي بمعنى الحال أو الاستقبال ، وظن أن حتى تعليلية ، وليس كذلك ، وبهذا الذي قررناه ارتفع الإشكال من أصله ، وأيده من حيث المعنى أن الرد ولو أخذ بمعنى الحال والاستقبال لزم تكرره عند تكرر المسلمين ، وتكرر الرد يستلزم تكرار المفارقة ، وتكرار المفارقة يلزم عليه محذوران :  

أحدهما تأليم الجسد الشريف بتكرار خروج الروح منه أو نوع ما من مخالفة التكريم إن لم يكن تأليم ،   والآخر مخالفة سائر الناس الشهداء وغيرهم ، فإنه لم يثبت لأحد منهم أن يتكرر له مفارقة الروح وعودها في البرزخ ، والنبي صلى الله عليه وسلم أولى بالاستمرار الذي هو أعلى رتبة ،

ومحذور ثالث وهو مخالفة القرآن فإنه دل على أنه ليس إلا موتتان وحياتان ، وهذا التكرار يستلزم موتات كثيرة وهو باطل.

ومحذور رابع وهو مخالفة الأحاديث المتواترة السابقة وما خالف القرآن والمتواتر من السنة وجب تأويله ، وإن لم يقبل التأويل كان باطلا ; فلهذا وجب حمل الحديث على ما ذكرناه

الوجه الثالث : أن يقال أن لفظ الرد قد لا يدل على المفارقة ، بل كنى به عن مطلق الصيرورة كما قيل في قوله تعالى حكاية عن شعيب عليه السلام : قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ۚ (الأعراف-89)

إن لفظ العود أريد به مطلق الصيرورة لا العود بعد انتقال ; لأن شعيبا عليه السلام لم يكن في ملتهم قط ، وحسن استعمال هذا اللفظ في هذا الحديث مراعاة المناسبة اللفظية بينه وبين قوله : ” حتى أرد عليه السلام ” ، فجاء لفظ الرد في صدر الحديث لمناسبة ذكره في آخر الحديث

الوجه الرابع : وهو قوي جدا ، أنه ليس المراد برد الروح عودها بعد المفارقة للبدن ، وإنما النبي صلى الله عليه وسلم في البرزخ مشغول بأحوال الملكوت مستغرق في مشاهدة ربه كما كان في الدنيا في حالة الوحي وفي أوقات أخر ، فعبر عن إفاقته من تلك المشاهدة وذلك الاستغراق برد الروح ، ونظير هذا قول العلماء في اللفظة التي وقعت في بعض أحاديث الإسراء وهي قوله : ” فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام. ([27])

 ” ليس المراد الاستيقاظ من نوم فإن الإسراء لم يكن مناما ، وإنما المراد الإفاقة مما خامره من عجائب الملكوت ، وهذا الجواب الآن عندي أقوى ما يجاب به عن لفظة الرد ، وقد كنت رجحت الثاني ثم قوي عندي هذا .

الوجه الخامس : أن يقال إن الرد يستلزم الاستمرار ; لأن الزمان لا يخلو من مصل عليه في أقطار الأرض فلا يخلو من كون الروح في بدنه

السادس : قد يقال : أنه أوحي إليه بهذا الأمر أولا قبل أن يوحى إليه بأنه لا يزال حيا في قبره ، فأخبر به ثم أوحي إليه بعد بذلك ، فلا منافاة لتأخير الخبر الثاني عن الخبر الأول ، هذا ما أفتح الله به من الأجوبة ولم أر شيئا منها منقولا لأحد ، ثم بعد كتابتي لذلك راجعت كتاب “الفجر المنير فيما فضل به البشير النذير”  للشيخ تاج الدين بن الفاكهاني المالكي فوجدته قال فيه ما نصه : روينا في الترمذي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلمما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام . ([28])

يؤخذ من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حي على الدوام ، وذلك أنه محال عادة أن يخلو الوجود كله من واحد مسلم على النبي صلى الله عليه وسلم في ليل أو نهار ، فإن قلت : قوله عليه السلام : ” إلا رد الله إلي روحي ” لا يلتئم مع كونه حيا على الدوام بل يلزم منه أن تتعدد حياته ووفاته في أقل من ساعة ، إذ الوجود لا يخلو من مسلم يسلم عليه كما تقدم ، بل يتعدد السلام عليه في الساعة الواحدة كثيرا.

فالجواب والله أعلم أن يقال : المراد بالروح هنا النطق مجازا ، فكأنه قال عليه السلام : إلا رد الله إلي نطقي وهو حي على الدوام ، لكن لا يلزم من حياته نطقه ، فالله سبحانه يرد عليه النطق عند سلام كل مسلم ، وعلاقة المجاز أن النطق من لازمه وجود الروح كما أن الروح من لازمه وجود النطق بالفعل أو القوة ، فعبر عليه السلام بأحد المتلازمين عن الآخر ، ومما يحقق ذلك أن عود الروح لا يكون إلا مرتين عملا بقوله تعالى : ( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ  (غافر-11) هذا لفظ كلام الشيخ تاج الدين ، وهذا الذي ذكره من الجواب ليس واحدا من الستة التي ذكرتها.

فهو إن سلم – جواب سابع – وعندي فيه وقفة من حيث إن ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم مع كونه حيا في البرزخ يمنع عنه النطق في بعض الأوقات ويرد عليه عند سلام المسلم عليه ، وهذا بعيد جدا بل ممنوع، فإن العقل والنقل يشهدان بخلافه ، أما النقل فالأخبار الواردة عن حاله صلى الله عليه وسلم وحال الأنبياء عليهم السلام في البرزخ مصرحة بأنهم ينطقون كيف شاءوا لا يمنعون من شيء ، بل وسائر المؤمنين كذلك الشهداء وغيرهم ينطقون في البرزخ بما شاءوا غير ممنوعين من شيء ، ولم يرد أن أحدا يمنع من النطق في البرزخ إلا من مات عن غير وصية ،

أخرج أبو الشيخ بن حيان في كتاب الوصايا عن قيس بن قبيصة قال : قال  رسول الله صلى الله عليه وسلم  من لم يوص لم يؤذن له في الكلام مع الموتى ، قيل : يا رسول الله وهل يتكلم الموتى ؟ قال : نعم ويتزاورون . ([29])

وقال الشيخ تقي الدين السبكي : حياة الأنبياء والشهداء في القبر كحياتهم في الدنيا، ويشهد له صلاة موسى في قبره ، فإن الصلاة تستدعي جسدا حيا ، وكذلك الصفات المذكورة في الأنبياء ليلة الإسراء كلها صفات الأجسام ، ولا يلزم من كونها حياة حقيقة أن تكون الأبدان معها كما كانت في الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب ، وأما الإدراكات كالعلم والسماع فلا شك أن ذلك ثابت لهم ولسائر الموتى، انتهى. ([30])  

وأما العقل فلأن الحبس عن النطق في بعض الأوقات نوع حصر وتعذيب ، ولهذا عذب به تارك الوصية ، والنبي صلى الله عليه وسلم منزه عن ذلك ، ولا يلحقه بعد وفاته حصر أصلا بوجه من الوجوه كما قال لفاطمة رضي الله عنها في مرض وفاتهثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ  قَالَ : لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ضَمَّتْهُ فَاطِمَةُ إِلَى صَدْرِهَا ، وَجَعَلَ يَتَغَشَّاهُ الْكَرْبُ ، وَجَعَلَتْ فَاطِمَةُ تَقُولُ : يَا كَرْبَاهُ لِكَرْبِ أَبَتَاهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ” لا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ”  ([31])

وإذا كان الشهداء وسائر المؤمنين من أمته إلا من استثنى من المعذبين لا يحصرون بالمنع من النطق فكيف به صلى الله عليه وسلم ، نعم يمكن أن ينتزع من كلام الشيخ تاج الدين جواب آخر ويقرر بطريق أخرى ، وهو أن يراد بالروح النطق وبالرد الاستمرار من غير مفارقة على حد ما قررته في الوجه الثالث ، ويكون في الحديث على هذا مجازان : مجاز في لفظ الرد ، ومجاز في لفظ الروح ، فالأول استعارة تبعية ، والثاني مجاز مرسل ، وعلى ما قررته في الوجه الثالث يكون فيه مجاز واحد في الرد فقط .

ويتولد من هذا الجواب جواب آخر وهو أن يكون الروح كناية عن السمع ، ويكون المراد أن الله يرد عليه سمعه الخارق للعادة بحيث يسمع المسلم وإن بعد قطره ويرد عليه من غير احتياج إلى واسطة مبلغ ، وليس المراد سمعه المعتاد ، وقد كان له صلى الله عليه وسلم في الدنيا حالة يسمع فيها سمعا خارقا للعادة بحيث كان يسمع أطيط السماء كما بينت ذلك في كتاب المعجزات. ([32])

وهذا قد ينفك في بعض الأوقات ويعود لا مانع منه ، وحالته صلى الله عليه وسلم في البرزخ كحالته في الدنيا سواء .

وقد يخرج من هذا جواب آخر وهو أن المراد سمعه المعتاد ، ويكون المراد برده إفاقته من الاستغراق الملكوتي ، وما هو فيه من المشاهدة فيرده الله تلك الساعة إلى خطاب من سلم عليه في الدنيا ، فإذا فرغ من الرد عليه عاد إلى ما كان فيه ،

ويخرج من هذا جواب آخر وهو أن المراد برد الروح : التفرغ من الشغل وفراغ البال مما هو بصدده في البرزخ من النظر في أعمال أمته والاستغفار لهم من السيئات ، والدعاء بكشف البلاء  عنهم ، والتردد في أقطار الأرض لحلول البركة فيها ، وحضور جنازة من مات من صالح أمته ، فإن هذه الأمور من جملة أشغاله في البرزخ كما وردت بذلك الأحاديث والآثار ، فلما كان السلام عليه من أفضل الأعمال وأجل القربات اختص المسلم عليه بأن يفرغ له من أشغاله المهمة لحظة يرد عليه فيها تشريفا له ومجازاة ، فهذه عشرة أجوبة كلها من استنباطي ، وقد قال الجاحظ إذا نكح الفكر الحفظ ولد العجائب .

ثم ظهر لي جواب حادي عشر وهو أنه ليس المراد بالروح روح الحياة ، بل الارتياح كما في قوله تعالى: فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (الواقعة-89)  فإنه قرئ فروح – بضم الراء – والمراد أنه صلى الله عليه وسلم يحصل له بسلام المسلم عليه ارتياح وفرح وهشاشة لحبه ذلك ، فيحمله ذلك على أن يرد عليه.

ثم ظهر لي جواب ثاني عشر وهو : أن المراد بالروح الرحمة الحادثة من ثواب الصلاة ، قال ابن الأثير في النهاية : تكرر ذكر الروح في الحديث كما تكرر في القرآن ووردت فيه على معان ، والغالب منها أن المراد بالروح الذي يقوم به الجسد ، وقد أطلق على القرآن والوحي والرحمة وعلى جبريل ، انتهى

وأخرج ابن المنذر في تفسيره عن الحسن البصري أنه قرأ قوله تعالىفروح وريحان  بالضم ، وقال : الروح الرحمة ، وقد تقدم في حديث أنس أن الصلاة تدخل عليه صلى الله عليه وسلم في قبره كما يدخل عليكم بالهدايا. ([33])

والمراد ثواب الصلاة ، وذلك رحمة الله وإنعاماته.

ثم ظهر لي جواب ثالث عشر وهو : أن المراد بالروح الملك الذي وكل بقبره صلى الله عليه وسلم يبلغه السلام ، والروح يطلق على غير جبريل أيضا من الملائكة ، قال الراغب أشراف الملائكة تسمى أرواحا ، انتهى . ومعنى ” رد الله إلي روحي ” أي : بعث إلي الملك الموكل بتبليغي السلام ، هذا غاية ما ظهر والله أعلم

تنبيه :

وقع في كلام الشيخ تاج الدين أمران يحتاجان إلى التنبيه عليهما ، أحدهما : أنه عزا الحديث إلى الترمذي ، وهو غلط ، فلم يخرجه من أصحاب الكتب الستة إلا أبو داود فقط كما ذكره الحافظ جمال الدين المزي في الأطراف ، الثاني : أنه أورد الحديث بلفظ ” رد الله علي ” وهو كذلك في سنن أبي داود ، ولفظ رواية البيهقي رد الله إلي [ روحي ] وهي ألطف وأنسب ، فإن بين التعديتين فرقا لطيفا ، فإن ” رد ” يتعدى بعلى في الإهانة ، وبإلى في الإكرام ، قال في الصحاح : رد عليه الشيء إذا لم يقبله ، وكذلك إذا خطأه ، ويقول رده  إلى منزله ورد إليه جوابا أي : رجع ، وقال الراغب من الأول قوله تعالىقوله سبحانه وتعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ) آل عمران/149 رُدُّوهَا عَلَيَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ۖ (سورة ص-33) قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ (الأنعام-06) 

ومن الثانيفَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ (القصص-28)   وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا(الكهف-18)  ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(الجمعة-62) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ (الأنعام-06)

فصل :

قال الراغب من معاني الرد التفويض ، يقال : رددت الحكم في كذا إلى فلان أي : فوضته إليه ، قال تعالىفَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }النساء59انتهى .

ويخرج من هذا جواب رابع عشر عن الحديث وهو : أن المراد فوض الله إلي رد السلام عليه ، على أن المراد بالروح الرحمة ، والصلاة من الله الرحمة ، فكان المسلم بسلامه تعرض لطلب صلاة من الله تحقيقا لقوله صلى الله عليه وسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ ، وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ خَطِيئَاتٍ ” . ([34])

والصلاة من الله الرحمة ، ففوض الله أمر هذه الرحمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليدعو بها للمسلم فتحصل إجابته قطعا ، فتكون الرحمة الحاصلة للمسلم إنما هي ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له وسلامه عليه ، وينزل ذلك منزلة الشفاعة في قبول سلام المسلم والإثابة عليه ، وتكون الإضافة في روحي لمجرد الملابسة ، ونظيره قوله في حديث الشفاعة فيرده هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى يرجع إلى الأول. ([35])  

وفي حديث الإسراءعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ :” لَقِيتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إِبْرَاهِيمَ ، وَمُوسَى ، وَعِيسَى ” ، قَالَ : ” فَتَذَاكَرُوا أَمْرَ السَّاعَةِ ، فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ، فَقَالَ : لَا عِلْمَ لِي بِهَا ، فَرَدُّوا الْأَمْرَ إِلَى مُوسَى ، فَقَالَ : لَا عِلْمَ لِي بِهَا ، فَرَدُّوا الْأَمْرَ إِلَى عِيسَى. ([36]) 

والحاصل أن معنى الحديث على هذا الوجه : إلا فوض الله إلي أمر الرحمة التي تحصل للمسلم بسببي ، فأتولى الدعاء بها بنفسي بأن أنطق بلفظ السلام على وجه الرد عليه في مقابلة سلامه والدعاء له.

ثم ظهر لي جواب خامس عشر وهو : أن المراد بالروح الرحمة التي في قلب النبي صلى الله عليه وسلم على أمته والرأفة التي جبل عليها ، وقد يغضب في بعض الأحيان على من عظمت ذنوبه أو انتهك محارم الله ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم سبب لمغفرة الذنوب كما في حديث : إذن تكفى همك ويغفر ذنبك. ([37])    

فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه ما من أحد يسلم عليه وإن بلغت ذنوبه ما بلغت إلا رجعت إليه الرحمة التي جبل عليها حتى يرد عليه السلام بنفسه ، ولا يمنعه من الرد عليه ما كان منه قبل ذلك من ذنب ، وهذه فائدة نفيسة وبشرى عظيمة ، وتكون هذه فائدة زيادة من الاستغراقية في أحد المنفي الذي هو ظاهر في الاستغراق قبل زيادتها ، نص فيه بعد زيادتها بحيث انتفى بسببها أن يكون من العام المراد به الخصوص . 

هذا آخر ما فتح الله به الآن من الأجوبة وإن فتح بعد ذلك بزيادة ألحقناها ، والله الموفق بمنه وكرمه ، ثم بعد ذلك رأيت الحديث المسئول عنه مخرجا في كتاب حياة الأنبياء للبيهقي بلفظإلا وقد رد الله علي روحي فصرح فيه بلفظ : ” وقد ” ، فحمدت الله كثيرا وقوي أن رواية إسقاطها محمولة على إضمارها ، وأن حذفها من تصرف الرواة وهو الأمر الذي جنحت إليه في الوجه الثاني من الأجوبة ، وقد عدت الآن إلى ترجيحه لوجود هذه الرواية فهو أقوى الأجوبة ، ومراد الحديث عليه الإخبار بأن الله يرد إليه روحه بعد الموت فيصير حيا على الدوام ، حتى لو سلم عليه أحد رد عليه سلامه لوجود الحياة فيه ، فصار الحديث موافقا للأحاديث الواردة في حياته في قبره ، وواحدا من جملتها لا منافيا لها البتة بوجه من الوجوه ، ولله الحمد والمنة.

وقد قال بعض الحفاظ : لو لم نكتب الحديث من ستين وجها ما عقلناه. ([38])  

وذلك لأن الطرق يزيد بعضها على بعض تارة في ألفاظ المتن ، وتارة في الإسناد ، فيستبين بالطريق المزيد ما خفي في الطريق الناقصة والله تعالى أعلم

[1]رواه أحمد (16/477) ط الرسالة ، وأبو داود (2041) وصححه النووي في ” الأذكار ” (154.

[2]رواه مسلم (2375)  .

[3]أخرجه وأبو نعيم في الحلية 6/253، و /333 وقال عقبة : غريب من حديث عمرو عن ابن جريج ، تفرد به مروان ، أهـ. وللحديث متابعات فقد رواه مسلم في صحيحه : كتاب الفضائل : باب من فضائل موسى ، والنسائي في سننه : كتاب قيام الليل وتطوع النهار: باب ذكر صلاة نبي الله موسى عليه السلام، والبيهقي في جزء حياة الأنبياء بعد وفاتهم ص/31 كلهم عن أنس بن مالك، ورواه مسلم في صحيحه : كتاب الإيمان باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال، والبيهقي في جزء حياة الأنبياء بعد وفاتهم ص/32، وفي كتاب دلائل النبوة 2/358- 359 كلاهما عن أبي هريرة  أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (أَتَيْتُ – وفي رواية : مررت – عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ ) رواه مسلم : 2375 .

[4]أخرجه أبو يعلى في مسنده 6/147، والبيهقي في ” حياة الانبياء ” ص/3 من طريق أبي يعلى والبزار في مسنده انظر كشف الاستار 3/100 وأورده الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 8/211 وقال : ” رواه أبو يعلى والبزار ورجال أبي يعلى ثقات ” ، وذكره الحافظ العسقلاني في المطالب العالية برقم /3452 وعزاه لأبي يعلى والبزار.

[5]حلية الأولياء لأبي نعيم » ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ. رقم الحديث: 2641

[6]أخرجه أحمد 4/8(16262. والدَّارِمِي (1572) و\”أبو داود\” 1047 و\”ابن ماجة\” 1085وأخرجه ابن ماجة (1637مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح » كتاب الصلاة » باب الجمعة1361. وقال: رواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ،والدارمي ،حياة الأنبياء في قبورهم للبيهقي, رقم الحديث-10  والبيهقي في ” الدعوات الكبير ” . 

[7]حياة الأنبياء في قبورهم للبيهقي » من صلى علي عند قبري سمعته ، ومن صلى علي نائيا منه رقم الحديث: 18. أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (2/ 218/ 1583) والخطيب البغدادي في «تاريخه» (3/ 291 – 292) وابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 38/ 562) والعقيلي في «الضعفاء» (4/ 136 – 137/ 1696) وأبو الشيخ في «الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلّم» كما في «جلاء الأفهام» ص 109. وهو حديث ضعيف جدا. قال الحافظ ابن القيم: «هذا الحديث غريب جدا». وقال العقيلي: «لا أصل له من حديث الأعمش، وليس بمحفوظ». وانظر «تفسير القرآن العظيم» للحافظ ابن كثير (3/ 675) و «ميزان الاعتدال» (3/ 32 – 33/ 8154) و «الفوائد المجموعة» (ص 235) و «السلسلة الضعيفة» (203.)

[8]إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة » كِتَابُ الْأَدْعِيَةِ » بَابٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ رقم الحديث: 5821 

[9]رواه ابن منده في ” الفوائد ” (ص/82)، والبيهقي في ” شعب الإيمان ” (3/111) ، و”حياة الأنبياء” (29) ، ومن طريق البيقهي : ابن عساكر في ” تاريخ دمشق ” (54/301) ، وعزاه السيوطي في ” الحاوي ” (2/140) للأصبهاني في ” الترغيب “.)

[10]رقم الحديث: 13

[11]حياة الأنبياء في قبورهم للبيهقي » الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة , ولكنهم رقم الحديث: 4

[12]حياة الأنبياء في قبورهم للبيهقي » ما مكث نبي في قبره أكثر من  أربعين رقم الحديث: 5

[13]حياة الأنبياء في قبورهم للبيهقي » ما مكث نبي في قبره أكثر من  أربعين رقم الحديث: 5

[14]رواه مسلم ( 172 )

[15]صحيح البخاري » كتاب أحاديث الأنبياء » باب قول الله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر. رقم الحديث- 3217 )

[16]وقد انفرد بروايته على هذا الوجه سعيد المقبري من تلاميذ أبي هريرة رضي الله عنه ، واختلف رواة الحديث عن سعيد المقبري :فرواه بهذا اللفظ أبو صخر ( حميد بن زياد ، ويقال اسمه : حميد بن صخر ) ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه . رواه أبو يعلى في ” المسند ” (11/462) .ورواه محمد بن إسحاق ، عن سعيد المقبري ، عن عطاء (مولى أم صبية) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه . رواه الحاكم في ” المستدرك ” (2/651) ، لكن بلفظ: ( وليأتين قبري حتى يسلِّمَ علَيَّ ، وَلَأَرُدَّنَّ عليه )وبهذا اللفظ رواه محمد بن إسحاق أيضاً عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه . رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (47/493)

[17]الراوي: سعيد بن عبد العزيز المحدث: محمد المناوي – المصدر: تخريج أحاديث المصابيح – الصفحة أو الرقم: 5/236 . كرامات أولياء الله عز وجل للالكائي » ذكر فضائل الصحابة وغيرهم » ما كان سياق ما روي من كرامات سعيد بن المسيب رحمة الله رقم الحديث: 98.  شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة » بو القاسم هبة الله ابن الحسن بن منصور الطبري كرامات أولياء الله » سياق ما روي من كرامات سعيد بن المسيب رحمة الله عليه, ما روي من كرامات سعيد بن المسيب – رحمة الله عليه  120, [تاريخ ابن أبي خيثمة 4/ 119]) 

[18]انظر: وفاء الوفا 4/1356.

[19]سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد، وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد. المؤلف : محمد بن يوسف الصالحي الشامي

[20]رواه الدارمي ج 1 : ص 228

[21]مسند أحمد بن حنبل » مُسْنَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ »مُسْنَدُ المُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ » مُسْنَدُ عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى رقم الحديث: 3485 رواه أحمد (3617) . وقال المحقون : إسناده صحيح على شرط مسلم اهـ, قال السندي : قوله : ( قتل قتلا ) بسُمِّ ما تناول من الذراع بأن ظهرت آثاره عند الوفاة اهـ . نقلا من حاشية المسند 6/116.)

[22]رواه البخاري ( 4165 ) .دلائل النبوة للبيهقي » الْمَدْخَلُ إِلَى دَلائِلِ النُّبُوَّةِ وَمَعْرِفَةِ » جُمَّاعُ أَبْوَابِ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ » بَابُ : مَا جَاءَ فِي إِشَارَتِهِ إِلَى عَائِشَةَ رقم الحديث: 3101)

[23]بدائع التفسير – ج 2 – التوبة – الفتح.  أحكام القرآن لابن العربي » سورة الأنفال فيها خمس وعشرون آية » الآية الثانية قوله تعالى وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين » مسألة الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف)

[24]أخرجه أحمد 4/8(16262. والدَّارِمِي (1572) و\”أبو داود\” 1047 و\”ابن ماجة\” 1085وأخرجه ابن ماجة (1637مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح » كتاب الصلاة » باب الجمعة1361. وقال: رواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ،والدارمي ،حياة الأنبياء في قبورهم للبيهقي, رقم الحديث-10  والبيهقي في ” الدعوات الكبير ” . ).

[25]( سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد، وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد: محمد بن يوسف الصالحي الشامي, الباب الحادي عشر في حياته في قبره وكذلك سائر الأنبياء – عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام)

[26]رواه أحمد (16/477) ط الرسالة ، وأبو داود (2041) وصححه النووي في ” الأذكار ” (154.

[27]البخاري-7517

[28]رواه أحمد (16/477) ط الرسالة ، وأبو داود (2041) وصححه النووي في ” الأذكار ” (154.

[29](أخرجه أبو الشيخ في الوصايا كما في الكنز (46080)، والديلمي في الفردوس (5945) وذكره الحافظ في الإصابة (3/ 247). وتصديقه ما رواه ابن أبي الدنيا عن بعض من يحفر القبور أنه حفر قبرًا ونام عنده فأتاه امرأتان فقالت إحداهما: أنشدك الله إلا صرفت عنا هذه المرأة، فاستيقظ فإذا بامرأة جيء بها فدفنها في قبر آخر فرأى تلك الليلة المرأتين تقول، إحداهما: جزاك الله خيرًا، فقال: ما لصاحبتك لا تتكلم، فقالت: ماتت بغير وصية ومن لم يوص لم يتكلم إلى يوم القيامة)

[30]السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون.

[31] صحيح البخاري » كتاب المغازي » باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته. رقم الحديث-4193.

[32]من طريق عبد الوهاب بن عطاء حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن صفوان بن محرز عن حكيم بن حزام قال: ” بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه إذ قال لهم…. “أتسمعون ما أسمع؟ قالوا: ما نسمع من شيء، قال: إني لأسمع أطيط السماء وما تلام أن تئط وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم (أخرجه الطحاوي في ” مشكل الآثار ” (2 / 43) والطبراني في ” المعجم الكبير  (1 / 153 / 1فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم وفي ابن عطاء كلام لا يضر. وله شاهد من حديث أنس بن مالك مرفوعا بلفظ: ” أطت السماء وحق لها أن تئط … ” الحديث مثله. أخرجه أبو نعيم فى ” الحلية ” (6 /269) من طريق زائدة بن أبي الرقاد حدثنا زياد النميري عنه. وهذا إسناد ضعيف.)

[33]حياة الأنبياء في قبورهم للبيهقي. رقم الحديث: 13. رواه البيهقي في شُعَب الإيمان وابن عساكر في تاريخ دمشق بِلفظ : ” إن أقْربكم مني يوم القيامة في كل موطن أكثركم علي صلاة في الدنيا . من صلى علي في يوم الجمعة وليلة الجمعة قضى الله له مائة حاجة سبعين من حوائج الآخرة وثلاثين من حوائج الدنيا ، ثم يوكل الله بذلك مَلَكا يدخله في قبره كما يدخل عليكم الهدايا يخبرني من صلى عليّ باسمه ونسبه إلى عشيرته فأثبته عندي في صحيفة بيضاء ” .  

[34] رواه الإمام أحمد (11587) والنسائي (1297) – واللفظ له – بإسناد حسنو صحح الحديث ابن حبان (903) والحاكم (1/550) وضياء الدين المقدسي في المختارة (1566) .

[35]أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم [2199 ، 2201 ، 2202] من كلام عبد الرحمن بن أبي ليلى وليس من كلام البراء.

[36]ابن ماجه, الفتن4081 ومسند أحمد-1/375.

[37]– قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح, الراوي: أبي بن كعب – خلاصة الدرجة: حسن – المحدث: ابن حجر العسقلاني – المصدر: موافقة الخبر الخبر – الصفحة أو الرقم: 2/340 وحديث 71475 -, الراوي: حبان بن منقذ بن عمرو الأنصاري – خلاصة الدرجة: حسن لغيره –  – المصدر: صحيح الترغيب – الصفحة أو الرقم: 1671)

[38];( وقال الإمام يحيى بن معين: ” لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما عقلناه “. – فتح المغيث : 2/370 .)

শেয়ার
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •